لا شك أن المجلة الجنائية التونسية جاءت لتنظم حياة من يعيش في البلاد التونسية، و لا شك أنها لا تحظى بالقداسة التي تحظى بها مجلة أخرى يعتبر الحديث عنها بغير صيغ التمجيد مروقا و تهديدا للمكاسب..
المجلة الجنائية قد تخرق فصولها بصمت دون أن ترتفع الأصوات منددة مستنكرة على عكس أخرى ترتفع الأصوات بمجرد أن يهمس أحد في جنح الظلام بكلمة قد يفيد آخر معانيها عدم الرضا…
و في تصفح سريع لفصولها استوقفني الفصل 201 و ما بعده حيث فصل الحديث عن الاعتداء على الأشخاص بدقة لا تترك هامشا لـتأويل متأول.. فمن يرتكب بقصد و بسابقية إضمار قتل شخص بأي وسيلة كانت يعاقب بالقتل.
و شد انتباهي ثلاث كلمات بصفة خاصة و هي ” بأي وسيلة كانت”..
“أي وسيلة كانت” و لا شك تشمل الأسلحة النارية و الأسلحة البيضاء كما تشمل الهراوة و الإلقاء من شاهق (حسب التعبير الفقهي) و الدهس بسيارة أو ما شابهها…
ثم تسأءلت: هل يعتبر من يشغل التيار الكهربائي و هو يدرك إدراكا لا يعتوره أدنى شك أن صعقة كهربائية تقتل من يكون قابضا على السلك الكهربائي، ألا يعتبر قاتلا مع سابقية الإضمار بحيث ينطبق عليه منطوق الفصل 201… أيكون المسؤول الذي شغل التيار الكهربائي في محطة توليد الكهربائي بقرية “تبّاديت” من معتمدية الرديف قاتلا ؟ ألا يكون الذين حضروا معه مشاركين له في الجريمة النكراء التي أودت بحياة شاب في الرابعة و العشرين من العمر لم يكن له من ذنب غير مطالبته بحقه في التشغيل..
و استرسلت الأسئلة… أين هي السلطة القضائية؟ أين وكالة الجمهورية؟ أين هم؟ ما أسرعهم إن تعلق الأمر بمواطن بسيط حيث تنطلق بطاقات الإيقاف و الجلب بسرعة الضوء لا تأبه لأي سبب من الأسباب الوجيهة التي لا تجعل الإيقاف خيارا وحيدا لا انفكاك منه.. و ذكرت بطاقة الإيقاف التي وقع بمقتضاها الزج بالسيد محمد صالح قسومة في السجن و هو من هو أمراضا مزمنة و حالة صحية رديئة… محمد صالح لم يقتل، و لم يشارك في القتل، و لم يتردد في إسعاف شخص في خطر، و لم …… محمد صالح ذهب للعلاج… و مع ذلك كان ما كان من أمره…
ألم يكن بإمكان هؤلاء السادة استعمال أي وسيلة أخرى تجنب هذا الشاب هذا المصير المؤلم، إن لم يكن بإمكانهم تخفيف معاناة عائلة هشام فقد كان بإمكانهم دون أدنى شك تجنيب ابنها هذا المصير لتجتمع عليها الفقر و المرض و البطالة و فقدان عزيز في ريعان العمر؟؟
ألم يكن بإمكانهم استعمال ما استعملوه يوم 9 أفريل الماضي و ما بعده هناك.. ألم يكن بإمكانهم إخلاء المكان بكل تلك الطرق التي أبدعوا فيها و استعملوا فيها المرخص دوليا و غير المرخص فيه من القنابل المسيلة للدموع؟؟ ألم يكن بإمكانهم استعمال المياه الباردة أو الساخنة لإجلاء هؤلاء المعتصمين؟ ألن يكن لهم من آلاف الأعوان المتواجدين بالحوض المنجمي منذ أسابيع من يقدر على إخلاء المكان؟؟ ألم يكن بالإمكان فسح المجال لأهل الاختصاص أن يتصرفوا وفق ما تعلموا و عليه تدربوا؟؟؟
كلا و ألف كلا، بل كانوا قادرين على ذلك!!! نعم كانوا يستطيعون تجنيب هذا الشاب هذا المصير!!! نعم كانوا يستطيعون ذلك، وإن لم يفعلوه فذلك فهو صميم القصد و سابقية الإضمار!!!
و احترق هشام!!! احترق أمام أعينهم!!! لم تدمع مآقيهم بلا شك، فالبكاء شأن أهل الضمائر الذين يدركون أن من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا!!! أما الذين كان دأبهم القتل في إطار القانون و خارجه منذ خمسين سنة أو تزيد فما هو إلا رقم آخر يضاف إلى قائمة طويلة لعلها لن تختم ما دام هؤلاء في تلك الأمكنة!!!
و الأشياء لا تستغرب إن عرف مأتاها!!! لكن ألا يكون من الواجب الأكيد و الفرض الحتم على الوطنيين و الغيورين مهما اختلفت مشاربهم أن يتقدموا صفا واحدا مطالبين بإيقاف من أمر بتشغيل التيار الكهربائي و من حضر الجريمة و من لم يسعف هشام و صحبه!!! إيقاف تعقبه محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الشروط التي تنص عليها العهود و المواثيق الدولية… محاكمة عادلة تكون الأولى بهذه الصفة في تاريخ البلاد منذ عهود طويلة!!!

جرجيس في 12 ماي 2008

عبدالله الـزواري

انتقل إلى رحمة الله تعالى أخونا المجاهد علي الغيلوفي بعد معاناة مع المرض العضال دامت أربعة سنوات… و كانت الوفاة مع الساعة الثالثة صباحا و هو في طريق العودة من المستشفى العسكري بتونس إلى بيته بسيدي بولبابة… و قد ناهز أخونا الثمانين من العمر.. و هو من متقاعدي الجيش التونسي…
وقع إيقافه في التسعينات من القرن الماضي في الحملة الشعواء التي شنها النظام التونسي على حركة النهضة قيادة و أعضاء و متعاطفين و كل من اعتز بدينه منهجا للحياة و دافع عنه… و عرف السجون التونسية و فيها قضى عاما كاملا دون جريرة…
عم علي رحمه الله تعالى له من البنين خمسة و من البنات تسع…
تتم اليوم مراسم الجنازة بمسجد سيدي بولبابة على الساعة الثانية ظهرا (صلاة الظهر) و منها يقع التوجه إلى مقبرة سيدي بولبابة..
تغمد الله أخونا في واسع رحمته و أسكنه فسيح جناته و رزق عائلته و أحبابه جميل الصبر و السلوان..

لتقديم التعازي:

ابنه البكر فوزي:
0021698424120
هاتف المنزل:
0021675390607

جرجيس في: 18 ماي 2008

عبدالله الـزواري

… كان السيد علي العريض الناطق الرسمي بالنيابة السابق باسم حركة النهضة المضطهدة في الوقت الذي حددوه في منطقة الأمن الوطني بباردو… و بعد حين حضر مسؤول عن ” أمن الدولة” و تم البحث بحضور رئيس منطقة باردو.. تمحورت الأسئلة حول اتصالاته ببعض النهضويين و الحقوقيين و السياسيين..معتبرين ذلك أنشطة مشبوهة… و قد حذروه من مواصلة الاتصال بهم.. و الغريب أنهم اعتبروا أن الجلوس في المقهى بالطريق العام جلسة مشبوهة و كذلك مجرد انتقال شخص معه في سيارته عملا مشبوها يجب الكف عنه…. و قد غادر السيد العريض منطقة الأمن بعد حوالي ساعتين من دخولها..
أين يريدون الوصول؟؟
سؤال يحق للمرء أن يسأله: قضى علي العريض فترة طويلة من سجنه في عزلة مغلظة، فهل يريدون أن يحكموا عليه العزلة المغلظة من جديد و قد أنهى مدة عقوبته؟؟؟ أهذه الحرية التي يسترجعها السجين بعد قضاء العقوبة في ظروف اتفق الجميع أنها لا تمت للإنسانية بصلة؟؟ ألا يحق بالكثير أن يصرخ في وجوههم:” السجن أحبّ إلي”..
و ليبشر أولائك الذين يحدثون أنفسهم بالعودة للبلاد بما ينتظرهم إن فكروا يوما في استرجاع إنسانيتهم أي حريتهم…

جرجيسس في: 12 ماي 2008

عبدالله الـزواري

على الساعة التاسعة و النصف ليلا من يوم الأحد 11 ماي 2008 قدم عونا أمن يرجعان بالنظر لمنطقة “الأمن الو طني ” بباردو إلى منزل السيد علي العريض السجين السياسي و الناطق الرسمي بالنيابة السابق باسم حركة النهضة المضطهدة دون سابق إعلام و أعلماه أنه مدعو للحضور لديهم غدا الاثنين صباحا على الساعة العاشرة، و عند إشعارهم إن كان لهم استدعاء رسمي؟ أجاباه بروح الدعابة” احنا ما بيناتناش استدعاءات”.. كما أضافوا ” أن لا علم لهم بالموضوع”..
و قد جرت العادة على أن تتم مثل هذه الدعوات بدون استدعاءات قانونية، بحيث لا يعرف من وجه الدعوة و لا موضوعها و لا وقتها.. و إن كان السيد العريض في مثل هذه الحالة يجد “مسؤولين ” من مصلحة أمن الدولة” يقومون ببحثه عموما حول بعض اتصالاته العادية ببعض من كان معهم في السجن أو بعض الأساتذة المحامين و النشطاء السياسيين و في بعض الأحيان بسبب حضوره بعض الأنشطة الفكرية و الندوات… و كأن مثل هذه الأنشطة ممنوع عليه حضورها.. و لا يبخلون عليه بنصحه بضرورة ابتعاده عن هذه الأنشطة، و قد يصل الأمر بتهديده بمحاكمته من جديد و إرجاعه إلى السجن.. و هذا ما تم فعلا في أكثر من مناسبة… فأي حياة يريدون منه أن يعيش؟؟؟

للاطمئنان:
الهاتف القار:0021671584356
الجــــــــوال:0021621549412

جرجيس في: 11 ماي 2008

عبدالله الـزواري

إن أسرة تحرير جريدة الفجر المحظورة تعبر عن تضامنها المطلق مع السيدين رشيد خشانة رئيس تحرير جريدة الموقف و السيد المنجي اللوز مدير التحرير بها في إضرابهما عن الطعام الاحتجاجي على المضايقات المختلفة التي ما فتئت تتعرض لها جريدة الموقف لسان حال الحزب الديمقراطي التقدمي المعارض…
كما تعبر أسرة التحرير عن انشغالها للوضع الصحي للزميلين و المخاطر المحدقة بهما و تدعو كافة الغيورين على حرية التعبير و الحق في الإعلام للتباحث في الأشكال المناسبة الأخرى لمساندة الزميلين رشيد و المنجي..

أسرة التحرير:
حمادي الجبالي
عبد الكريم الهاروني
العجمي الوريمي
عبدالله الزواري

و السلام
تونس في: 8 ماي 2008

بسم الله الرحمان الرحيم

هنيئا لك، للوالدة و الوالد، للعائلة، لنا جميعا…

تم التصريح اليوم بنتائج السنة أولى ماجستير فلسفة.. و كان هيثم - كما كان طوال دراسته- متفوقا و بامتياز…
هو الأول إلى حد الآن بعد التصريح بنتائج ثلاث مجموعات..
هو الأول في كل المواد سواء كانت عربية اللسان أو فرنسية و سواء كانت كتابية أو شفاهية…
كان المعدل 13.76 من عشرين…
و كان إعجاب الأساتذة بهذا الذي يخرج من ظلمات السجون التونسية بعد أن قضى بها خمسة عشر سنة في ظروف لا تمت للإنسانية بشيء، خمسة عشر سنة محروم في أغلبها الأوراق و الأقلام، أما الكتب فقد تجد في السجن العنقاء لكن لن تجد به كتابا جلبته عائلة لابنها … إعجاب بالجدية و الإصرار و و العزيمة التي لم تفتر بتقدم السن و المضايقات المسلطة على صاحبنا في حركاته و سكناته منذ أن غادر السجون الصغيرة و طالت كل أفراد عائلته…
لله در هذا الرجل، أي طينة صنع ؟؟؟
بل في أي مدرسة نشأ و في أي بيئة ترعرع؟؟
هيثم يهدي نجاحه الباهر لوالدته الصبور ، لإخوانه في غرف الموت قطرة قطرة، للأحرار الذين ساندوه و لا زالوا، إلى كلودين و لويزا و كل الذين يؤلمهم ما انحطت إليه حقوق الإنسان في البلد…
هيثم:
حقيق لعائلتك أن تفخر بك
و حقيق لإخوانك أن يفخروا بك
و حقيق لحركة درجت بين صفوفها و لم تبخل عليها يوما بجهدك و عقلك أن تفخر بك..
و موعدنا نجاح آخر… نجاح آخر تقر به أعين كثيرة و إن أغاض آخرين…
أما المضايقات التي لم تنقطع يوما فقد صلب عودك و هي معك.. و لا عليك.. كنت أرجو اليوم أن تكون قد وصلت منزل العائلة قبل قدوم أولائك “غير المرغوب فيهم”، و تستقبلهم هذه المرة ببعض المشروبات بمناسبة تفوقك الباهر عسى بعض الضمائر تصحو قليلا فيحدثون أطفالهم عن الذي يضايقون باستمرار و مع ذلك تزيده هذه المضايقات تألقا و تغتنم الفرصة فتبلغ رئيس المركز الذي تعود إليه بالنظر بأن بإمكانه القدوم إلى البيت ليشرب “نخب “نجاحك، أما الذهاب إليه دون استدعاء فأخبره أنك تحترم القانون و كفى….
جرجيس في:25 أفريل 2008
عبدالله الـزواري
بسم الله الرحمان الرحيم

بسم الله الرحمان الرحيم

مقصلة المراقبة الإدارية

صدر عليه حكم بالسجن لمدة ستة سنوات يوم 14 فيفري 1999… و عرف في غياهب السجون البعض مما عرف إخوانه في فضاءات التشفي و معتقلات الموت البطيء أو الموت قطرة قطرة ( على غرار الديمقراطية قطرة قطرة).. و قد نعود إلى معاناته داخلها.. و كان يوم 3 مارس 2003 يوم انتقاله من ” السجون الصغيرة” إلى السجن الكبير.. و كما للسجون الصغيرة فنون في التشفي و التنكيل فللسجن الكبير فنون كذلك.. و لعل من أبرزها “المراقبة الإدارية” ذلك الحكم التكميلي الذي لم تبخل به مختلف الهيئات القضائية التي كان لها “شرف” المساهمة في إزاحة خصم سياسي من المشهد العام التونسي من أجل إحكام القبضة على مختلف بقية مكوناته، لم تبخل به على الأغلبية المطلقة من قيادات حركة النهضة و أعضائها و المتعاطفين معها و من شاركها في الخلفية العقائدية عموما…

طلبوا من صاحبنا الحضور لديهم للإمضاء في دفتر خاص أعدوه للغرض.. و مع أن بدعة الإمضاء هذه قد اختلقوها ليا لعنق القانون و كسرا لعظامه- و هذا ما أجمع عليه رجال القانون- فأن صاحبنا لم يمتنع عن ذلك بل طالب بقرار وزير الداخلية الذي أوكلت السلطة القضائية مطلق التصرف في هذا الشأن دون أدني اعتبار لمختلف مصالح المحكوم عليه بها.. رأوا في هذه المطالبة تحديا لهم و لسلطتهم المطلقة و لم يراعوا فيه إلا و لا ذمة..فأوقفوه من جديد و لم يمض على سراحه شهران فحسب.. و مثل أمام محكمة ناحية منزل بوزلفى التي لم تر فيما فعلوا أي مخالفة للقانون رغم أن المخالفة أجلى من أن يتشكك فيها الأعشى بل الأعمى.. أصدرت حكمها بإدانته بالسجن لمدة ثلاثة أشهر… ثم كان الاستئناف بعد مدة قصيرة و لم تساير هيئة المحكمة الابتدائية بقرمبالية ما رآه السيد حاكم ناحية منزل بوزلفى فقضت براءته و حكمت عليه بعدم سماع الدعوى… كان ذلك يوم 5 جوان 2003…

و كان ما كان مما يجب ذكره ليبقى في يوميات العدالة دليلا “ناصعا” على استقلالية القضاء في هذه الديار..غادر صاحبنا السجن بمقتضى ما أصدرته محكمة قرمبالية الابتدائية…

لكنه لم يلبث في هامش الحرية غير أسبوع يتيم فقد حنت إليه عنابر الموت قطرة قطرة… ماذا وقع يا ترى…؟؟؟

عقبت النيابة العمومية الحكم بعدم سماع الدعوى على هذا ” المجرم الخطير الذي قبض عليه متلبسا بتقويض السلم الاجتماعي و تخريب الأمن العام و الخاص و تكدير “فرحة شباب تونس و التلاعب بالاقتصاد الوطني و الهرطقة السياسية و التجديف الديني”..عقبت النيابة العمومية الحكم يوم 6 جوان أي بعد يوم واحد من صدوره… و نظرا للخطورة القصوى أولته محكمة التعقيب ما يستحق من أهمية فاعتبرته ذا طابع استعجالي يحظى بالأولوية المطلقة، و انكب قضاتها الأفاضل على ملف القضية حال تسجيله لدى كتابتهم..

و أن تركنا القضاء جانبا و عدنا “للأعين التي لا تنام” فإنهم قد أعادوا الكرة من جديد مع صاحبنا، و طالبوه بالإمضاء فرفض مجددا معربا على استعداده لفعل ذلك بعد تبليغه فرار ا لزير.. فلم يفعلوا وأثاروا الدعوى ثانية… ولمزيد إبراز مدى قدرتهم وصولتهم لم يطلعوه على قرار الوزير رغم حصولهم عليه…

و يوم مثوله مجددا أمام المحكمة رافع السادة المحامون بما رأوه مناسبا لإثبات براءة موكلهم، و من المفيد هنا أن أذكر و لو بإيجاز ما دفع به الأستاذ محمد عبو إذ قال مشيرا إلى الطابع غير العادي لسير القضاء: أرجو من جنابكم يا سيد القاضي أن تستعمل كل صلاحياتك و كل قدراتك و كل معارفك و كل.. من أجل بلوغ هذه المدة القياسية على مستوى العالم في سرعة التقاضي، أفي أسبوع واحد تعقب النيابة الحكم و يسجل و يسند إلى هيئة تعقيبية فتنظر فيه شكلا و مضمونا ثم تصدر حكمها بنقضه، و تعود القضية من جديد إلى الابتدائية فتسجل و تسند إلى هيئة أخرى… أيتم هذا في مثل هذا الوقت القصير بكل المقاييس…؟؟
..

و جمع صاحبنا سبعة أشهر سجنا نافذة فورا، أربعة أشهر عن القضية التي نقضت محكمة التعقيب حكمها و ثلاثة أشهر عن القضية الثانية التي أثاروها ضده عند رفضه الإمضاء مجددا بعد صدور الحكم بعدم سماع الدعوى…

و انتقل صاحبنا في تلك المدة بين سجن مرناق و سجن صواف.. الذي غادره في اتجاه مركز “الأمن الوطني”بصواف من ولاية زغوان.. و في هذا المركز بالذات، أي في مركز لا يرجع إليه بالنظر إذ أن صاحبنا يقيم ببلدة منزل بوزلفى من ولاية نابل.. و مع ذلك- و خير البر عاجله- سألوه إن كان مستعدا للتوقيع في مركز الأمن عملا بتعليماتهم في ترتيب المراقبة الإدارية.. فأجاب بما كان من فهمه السليم للقانون روحا و معنى، أي أنه رفض الإمضاء قبل الاطلاع على صريح هذا الأمر في قرار وزير الداخلية بالتنصيص على ضرورة الإمضاء…

كان لسان حالهم يقول “هذه شوكة لم تنكسر، و يجب كسرها كلفنا ذلك ما كلفنا.. هذه شوكة قد تثير آخرين و تبعث فيهم حمية الممانعة و التمرد على تعليماتنا، و في ذلك ما فيه من جرأة غير مرغوب فيها و من تطبيق لقانون لم يوجد ليطبق..” استشاروا شياطين الإنس و الجن… و وجدوا الحلّ…

كل الطرق التي تؤدي إلى كسر هذه الشوكة مباحة، و كل المكائد يمكن أن تحبك،و كل المؤسسات لا يمكن لها أن تخالف إشاراتهم..

قرروا إيقاف والده الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا… أوقفوه و هو الذي قدم إلى صواف محدثا نفسه بالرجوع إلى البيت صحبة ابنه… ماذا ارتكب المسكين؟؟ لا شيء..
هل احتال على الآخرين فسلبهم سياراتهم الفاخرة… أم استحوذ على مساحات شاسعة على الشواطئ دون أدنى وجه حق و في انتهاك صارخ للملك العمومي البحري… أم تاجر في الممنوعات فأخل باقتصاد البلد… لم يفعل المسكين ما يمكن أن يكون مبررا ليس للإيقاف بل ليقف أمام عون أمن وقفة خاطفة و عابرة… بل صرحوا بهتانا و إثما أن الشيخ قد تعلقت به قضية.. أين، متى في حق من أخطأ: أسئلة لا يمكن الإجابة عنها… ومع ذلك قضى الشيخ الجليل ليلته موقوفا في مركز صواف…
وقع إيقاف الشيخ الكبير لتتواصل مأساة العائلة… خرج الولد ليقع إيقاف الوالد.. و اكتشف مهدي الأمر بعد خروجه من مركز الأمن…
- “أين الوالد؟”
- “أوقفوه..”
- “الحمد لله الذي لا يشكر على مكروه سواه”

هل من المفيد البحث عن سبب اعتقاله؟ لا ليس من المفيد ذلك.. فهم أعوان تنفيذ، و بعد هذا و قبله يستطيعون اختلاق ما يشاؤون كمبرر لهذا الإيقاف… لنمض لما بعده… هكذا كان يفكر مهدي تلك اللحظات…
- ” متى يحال الوالد على محكمة التعقيب التي ادعيتم أنه مطلوب لفائدتها؟”
- ” يوم الثلاثاء القادم”
- “من الجمعة إلى الثلاثاء يعني خمسة أيام، لماذا؟”
- ” ليس لنا سيارة تنقله إلى محكمة التعقيب، و أول سيارة تأتينا من تونس يوم الثلاثاء”
كان عم قد بلغ من العمر اثنين و سبعين سنة، و هو يعاني من مرضين مزمنين: القلب و ارتفاع الضغط…
و رضخ مهدي للأمر الواقع: لا بد من استئجار سيارة تقل والده مع عون أمن إلى محكمة التعقيب إن كان يريد اختصار مدة الإيقاف..
و هذا ما تم فعلا يوم السبت.. قضى الشيخ ليلته في زنزانة مركز الأمن بصواف..
و في الصباح الباكر، كان الجمع في اتجاه تونس العاصمة.. حضر من السادة المحامين الأستاذ أسامة بوثلجة و الأستاذة سعيدة العكرمي..
كان المدعي العام في غاية الوضوح: أن الأمر لا يستحق حضور السادة وكلاء الدفاع، و أن ليس هناك كم مبرر لهذا الإيقاف.. و أمر بإطلاق سراحه…
و كان مهدي بين خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع لطلباتهم و الحضور في مركز الأمن على ما فيه من تعسف جلي و انتهاك صريح للقانون و تضييق عليه ف يسبل كسب لقمة عيشه… أو أن يطال هذا التعسف بل الاضطهاد أفراد عائلته بدءا من والده الطاعن في السن… و كان الخيار الأخير خياره و إن كان على مضض…
و تمت سنوات المراقبة على ما فيها من عنت.. على ما فيه من تضييق على لقمة العيش… على ما فيه من تجويع و عنت..
تنتهي المدة لكن يبدو أن السادة لم يكفهم ذلك… فاختلقوا من الأسباب ما أخروا به تاريخ انتهاء المدة قانونا…
و لعله من المفيد أن نذكر أن مهدي الذي كان يحضر في مركز الأمن مرة في الأسبوع منذ العديد من الأشهر طلب منه الحضور يوميا منذ بداية العام الجاري.. وهو ما أحدث في الواقع ضررا بالغا بالسيد مهدي بوصفه فلاحا تاجرا… حيث منع من تسويق منتوجاته حيث تعود فعل ذلك فأخل بالتزاماته إزاء المتعاملين معه و في ذلك ما فيه من ضرر بسمعته التجارية..
و الأن و قد انتهت السنوات الخمس مند يوم 8 مارس الماضي،فقيل له إن المدة تنتهي يوم 17 أفريل أي يوم بلوغ قرار الوزير و مع ذلك فهم حريصون على مواصلة تمديد العمل بالمراقبة الإدارية أي يعني مزيد تجويعه و التضييق عليه و على عائلته…
ألم نقل منذ أمد أن المراقبة الإدارية هي مقصلة من مقاصل التغيير…

جرجيس في: 26 أفريل 2008

عبدالله الـزواري

بسم الله الرحمان الرحيم

mail.jpeg

إذا كانت النفوس كبارا *** تعبت في مرادها الأجسام

كان ذلك في أحد أيام صيف سنة 1987، كان العرق يتصبب منا جراء حرارة طقس مع انعدام تهوئة طبيعية مناسبة… كان الوقت عصرا…فجأة يفتح الباب و ينادي العون على أربعة منا…

” محامي”

كنا تلك الأيام في انتظار انعقاد محكمة أمن الدولة، و كنا نستقبل أيامها السادة المحامين المكلفين بالدفاع عنا… كانت أياما عصيبة و لا شك… و كان بورقيبة يهذي شوقا لرؤوس تقطف…

” محامي”

لبسنا النظيف من ثيابنا، لم تكن بدعة منع القميص أو الجبة أو غيرهما من اللباس التقليدي قد رأت الظلمة بعد…كانت ظلمة الاستبداد و القهر و الحكم المطلق قد انتشرت في الآفاق، و بين أمواج تلك الظلمات تنسلّ خيوط شمس الغد المنتظر…هويمش من الحرية كان من المأمول أن يتسع و يمتد لا أن يشحب و يوأد…

دخلنا المكتب المعد للغرض، كان الأستاذ المحامي في الانتظار… جلسنا… تبادلنا التحية… كنا في شوق على أن نسمع من الأخبار ما يتعذر على عائلاتنا تبليغه إيانا… كان الأستاذ يحوم حول الموضوع، يذكرنا بالقضاء و القدر و التوكل و بالصبر و المصابرة و الجهاد… كان يراوح مكانه رغم فصاحته التي عرف بها خطيبا في المساجد منذ سنوات خلت… قد يكون لاحظ بعض ما يطمئنه منا فأقدم:

” إن كانت هناك إعدامات فأنتم الأربعة… النيابة العامة قد ذكرتكم في أكثر من مناسبة قي قرار ختم البحث…” أو هكذا قال…

رجعنا إلى غرفة 17 في الجناح المضيق بالسجن المدني بالعاصمة…


كانت آخر جلسات المحكمة قبل أن تخلو مع ضميرها “الطاهر” لتصدر ما سبق أن جفت صحفه…كانت جلسة “الإعذار”.. و تداولنا على القفص اعتزازا و افتخارا و هجوما و تذكيرا: اعتزازا بالانتماء لحركة ربانية حملت على عاتقها إصلاح ما أفسده “حزب الدستور” في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و الدين معا، و افتخارا بتاريخ لم نهادن فيه طاغية و لم تكن في يوم من خدمه، و هجوما على المتواطئين و المتخاذلين و المتمعشين، و تذكيرا بما أعده الله للصالحين و المجاهدين من عباده و الطغاة و الجبابرة من عبيده..

وقف صاحبنا و قال: الشهادة أسمى المراتب التي يحدث بها المسلم نفسه لكن لم ينلها و لن ينالها أي كان.. و إن كانت لكم أحكام بالإعدام ستصدرونها فاللهمّ اجعلني منهم…

اهتز الكثير لهذا الرجاء أو الطلب… تعودوا في هذا الموضع ان تستدر العواطف: عواطف الشفقة و الرحمة، بعد التنكر للماضي…

أول من اهتز لهذا الدعاء ابن عم له.. و كل من لم يعرف هؤلاء الشباب الماثلين في القفص الذين درجوا في مدرسة أعدت لها دولة الحداثة كل ظروف الموت و الفناء فإذا بها تنبعث من جدبد رغم الداء و الأعداء..


و في السجن المدني ببرج الرومي، عشنا معا، اقتربنا من بعضنا أكثر فأكثر، لم تكن لقاءاتنا السابقة في أطر الحركة كافية لنخبر بعضنا بعضا.. هناك عشنا في غرفة واحدة طيلة الفترة التي قضاها في السجن.. صلابة في الحق تعلوها مسحة من الرفق و التلطف، تفهم لأوضاع إخوانه و دفع للأمام بالتي هي أحسن… لا يحبذ القطع مع من يخالفه الرأي بل حتى مع من يناقضه، كان و لا يزال يأمل أن يتسع البلد للجميع على اختلافهم و تنوع مرجعياتهم..

و لا بد للسجن أن يفعل فعله و إن كان في أكثر البلدان احتراما لحقوق السجين و كرامته، فما بالك إذا كان هذا السجن في بلد لا تتعدى هذه الحقوق كونها شعارات جوفاء تلوكها الألسن في المناسبات.. لم يغادر صاحبنا السجن إلا و قد بدأ داء السكري يتسلل إلى جسده… و لم تفلح المساعي الطبية في إيقاف زحف هذا الداء…

و تمضي الأيام و مع ازدياد الأفاق السياسية اسودادا و انغلاقا يزداد المرض تفشيا و سيطرة على جسد منهك، أنهكته روح عالية ترنو إلى المعالي كما أنهكه ضمير حي يأبى الضيم و الخنوع…

و وجد صاحبنا في حالة صحية يتعذر معها القيام بواجباته الحركية فابتعد كرها عن الصفوف الأمامية…

وهو و إن وقع إيقافه في الحملة الإستئصالية الكبرى التي شنها النظام على التيار الإسلامي عموما و على حركة النهضة تحديدا فإنه لم يحاكم بل غادر مركز الإيقاف بعد أشهر معدودة.. و بقي الحنين إلى إخوة الطريق و رفاق الدرب…


ها أنذا!!!

امتلأت السجون بإخوانه و أحبابه.. والتفت حوله و رأى من واجبات إخوانه عليه ما لا يمكن له أن بجد مبررا في مرضه لعدم القيام به.. فنهض رغم المرض و رغم الجسد المنهك للقيام بما يستطيع…

فكان الإيقاف من جديد… و كان السجن… كان هذا سنة 1995… صدر حكم في شأنه بالسجن ثمانية سنوات… و في مثل تلك الظروف وجد المرض فرصة للتمدد فالتحق به إخوانه: داء القلب و داء ارتفاع الضغط… و صبر الرجل.. لم يكن ير في مرضه مبررا للقعود و ما كان يقوم به غيره بالأمس أصبح الآن فرض عليه…

و في نوفمبر 1999 يغادر السجن بعدما تجاوز نصف المدة، لا اعتبارا للمدة التي قضاها بل للأمراض التي يعاني منها و تزداد استفحالا مع الأيام..


إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

و كانت “الجلطة “الأولى بعد سنة و نيف من مغادرته السجن…

و تمضي ألأيام… و يواصل صاحبنا طريقه…

يرى إخوانه يمضون من حوله… هذا عبدالمجيد بن طاهر يمضي شهيدا بعد أشهر معدودة من إطلاق سراحه… و تتواتر أخبار الاستشهاد من وراء القضبان و داخل البلد… فهذا الحبيب الردادي و هذا الأخضر السديري و هذا عبدالوهاب بوصاع… و هذا الهاشمي المكي يمضون شهداء مقارعين الاستبداد… و هذا رفيق دربه أحمد البوعزيزي يصارع داء السرطان عافى الله منه القريب و البعيد…

و تكون “الجلطة” الثانية في نوفمبر 2007…

و ما حط الرجل الرحال… و كيف يحطها و إخوانه الذين شاركهم الأمل و الألم واقتسم معهم الحلو و المر بعضهم في غياهب السجون و بعضهم في غياهب الغربة… أيليق هذا برجل؟؟؟


و كان أمر الطبيب لا لبس فيه…

إجراء عملية جراحية على القلب “تجسيرا” للشرايين التاجية..

نرجو أن تكلل هذه العملية بالنجاح… فيستأنف أخونا كدحه نحو ما يتوق إليه….

يجري أخونا عبدالكريم العباشي العملية بمصحة الأمان- ميتوافيل يوم الأربعاء 23 أفريل الجاري….
و هذا رقم هاتفه: 97670998

عند ابنه أسلم.

علما بأن السيد عبدالكريم قد استدعي أواخر شهر مارس إلى مركز الأمن الوطني بوقطفة، و رغم عدم قانونية الاستدعاء، فأنه استجاب لهم و ذهب إليهم.. و رغم أن الحديث معه كان في حدود اللياقة فإن هذا الاستدعاء قد يكون أثر تأثيرا مباشرا على صحته و تفاقم مرضه… إذ أحس بعده باضطراب في دقات القلب و تسارع غير منتظم في وتيرتها مع ألم حاد يعاوده من حين لآخر… و كان ما كان من أمر حاسم للطبيب المعالج خصوصا بعد “الجلطتين”….

عبدالكريم من مواليد السابع و العشرين من شهر أوت سنة 1947 ببلدة مكثر من ولاية سليانة، وقد استقر منذ سنة 1968 بمدينة منزل بورقيبة حيث كان يعمل بمخبر المستشفى الجامعي ، و من بنات المدينة تزوج.. كان ذلك سنة 1977 و له من الأبناء ثلاث رجال: محمد و أسلم و عثمان…

للمواساة:

أسلم العباشي:

0021697670998

جرجيس في 22 مارس 2008

عبدالله الـــزواري

بسم الله الرحمان الرحيم

في بنزرت

مثل السيد على الوسلاتي اليوم الثلاثاء 15 أفريل أمام محكمة و قد حضر من السادة المحامين كل من الأساتذة: محمد النوري و سمير ديلو و العياشي الهمامي و محمد عبـــــو
و أنور القوصري…
و قد قضت المحكمة على السيد علي الوسلاتي ب3 أشهر مؤجلة التنفيذ بخصوص القذف (قذف مصلين) و عدم سماع الدعوى بالنسبة لبث الفوضى في الطريق العام..
رسالة واضحة المعالم للسيد على الوسلاتي و للسادة النشطاء في تلك القلعة… سيوفنا على رقابكم: الخنوع من وراءكم و السجون من أمامكم و سواعدنا المفتولة من حولكم….
لكنهم نسوا أن هذه هي الطريق الخطأ التي خاب كل من سار عليها و سلكها مغمضا عينيه عن العالم من حوله…
و متى كانوا يتعظون؟؟؟
ملاحظة السيد علي الوسلاتي لم يغادر السجن بعد.. حسب التراتيب المعمول بها يغادر السجن بعد الخامسة مساء…

جرجيس في 15 أفريل 2008
عبدالله الـــزواري

بسم الله الرحمان الرحيم

صديقنا دخل السجن و لم يبلغ الثامنة عشر ربيعا، كان تلميذا بالمعهد الثانوي أحمد التليلي بقفصة في الصف الخامس تحديدا، وقع إيقافه سنة 1991 و حكم عليه بثمانية عشر شهرا سجنا، قضاها متنقلا بين سجني قفصة و القصرين الذي نقل إليه معاقبا و قضى به ثلثي المدة… و أطلق سراحه في 1993 أي في القلب من سنوات الجمر التي شهد فيها التنكيل و التشفي من الإسلاميين و الإسلام أوجه..
غادر السجون في تلك الظروف العصيبة حين ضاقت الأرض بما رحبت على السائرين على درب المبعوث رحمة لعالمين،و تدبر أمره في تلك الظروف التي استنسر فيها البغاث… حاول مواصلة تعليمه و في سنة 1996 يترك الدراسة جانبا و يبدأ رحلة البحث عن عمل …
و في سنة 1999، يعود إلى السجن لا لشيء ارتكبه غير أنه لم ير الوظيف مهما سما مبررا للدوس على القانون أو غمط الناس –مهما سفلوا- حقوقهم..
إثر احتكاك بسيط قام به ابن عمه مع سيارة موظف سام في موقف السيارات بالمستشفى الجهوي بقفصة، أوعز بعضهم إلى هذا الموظف بأن من كان يخاطبه قبل حين إنما هو معارض عرف السجن سابقا.. فأراد هذا الموظف أن يعين عليه نوائب الدهر و مخالبه… فقال ما يجب قوله.. و ما يحترمه كل من يضع القانون سيدا يفصل فيما يختلف الناس فيه.. لكن خصمه لم يكن من أولائك.. و التجأ إلى ما يلتجئ إليه عادة ضعفاء الحجة و البرهان، فقوّل صاحبنا ما لم يقل، و ما لم يتعود النطق به من فاحش الكلام…
وأسرعت ” الشرطة ” للانتصاف من هذا المجرم الخطير الذي سولت له نفسه الاعتداء على الأخلاق الحميدة و التلفظ بما ينافي الحياء و ما إلى ذلك من التهم الجاهزة… و كم كانت مفاجأتهم عظيمة عندما اكتشفوا أن المشتكى به هو سجين سياسي سابق خبروه طويلا حتى أيقنوا أنه ليس من طينة من ادعى عليه السيد الموظف السامي… لم يعهدوا صاحبنا فحاشا و لا لعانا او فاجرا، بل عهدوه ذا أخلاق فاضلة لا تسمح له بالسوقي من الكلام و فحشه، نعم قد يغضب لكن قاموسه يبقى خاليا مما أورده الشاكي…
كان خصيمك الحاكم شكون…….؟؟
و مثل صاحبنا أمام المحكمة… التي أصدرت حكما في حقه يقضي بسجنه مدة أربعة أشهر.. كان ذلك من ماي 1999 إلى شهر أوت…
و غادر السجن الصغير… لكن صاحبا كان و لا يزال من الذين لم يتنكروا لماضيهم النضالي، و لم يتبرؤوا من أيام خلت قضاها داعيا مجاهدا صابرا مصابرا، لم يغير و لم يبدل لا خوفا و لا طمعا بل إيمانا بأنه كان و لا يزال على الطريق السليم الذي يرضي رب السماء و إن أغضب أرباب الأرض… لم ير في ضيق الدنيا عليه ذريعة ليولي وجهه وجهة أخرى غير التي عهدها عليه إخوانه الذين قضوا…
و كشأن كل من أبى التبديل و التغيير كان محل سخط أولي الأمر و غضبهم، وجد نفسه مرة أخرى في صدام مع أولي الأمر…و يحال على المحكمة التي لم تر فيما أحيل بسببه مبررا لسجنه فحكمت عليه و على بعض رفاقه بعدم سماع الدعوى.. و كان المنتظر من ممثل النيابة العمومية أن تعقب.. و مرة أخرى تصدر المحكمة حكمها بعدم سماع الدعوى، و تعيد النيابة العمومية ما فعلته ثانيا.. و و للمرة الثالثة تقر المحكمة ببراءة الماثلين أمامها، وتعقب النيابة للمرة الثالثة و تجلس الهيئات الثلاثة للنظر في تعقيب النيابة من جديد…. و بعد ذلك نصدر المحكمة حكما بسجن صاحبنا لمدة ثلاثة عشر شهرا رفقة كل من المجاهدين لطفي الداسي و مضر بن جنات و علي الشرطاني و محمد الفوراتي و ….. و قد كان الأخوان علي و مضر قد أتما عقوبتهما و لا تزال القضية تراوح بين محكمة التعقيب و استئنافية قفصة… و كانت التهم الموجهة إليهم الاحتفاظ بجمعية غير مرخص فيها و جمع أموال بدون رخصة…
قضى صاحبنا كامل المدة المحكوم بها عليه في سجن قفصة في جزئه المعروف بالحديقة (Jardin)…
و حول الفترة التي قضاها كان لنا معه الحديث التالي:
- حمدا على السلامة؟
- أهلا و سهلا بك.
- هذه زيارة جديدة؟؟
- نعم، البعض يذهب إلى البقاع المقدسة كل أربعة أو خمسة سنوات ليرجع كما ولدته أمه نقيا من الذنوب و المعاصي..
أما أنا فيعيدوني إلى هناك تكفيرا لما قد اقترفت يداي من تقصير في حق إخوتي داخل السجون و خارجها، و شحذا للهمة كي تواصل المسيرة..
- كيف وجدت الديار؟؟
- الديار؟ و هل تبقى الديار على حالها إن لم يقع تعهدها و إصلاحها و ترميم ما يستحق ترميما؟؟ من الطبيعي أن تسوء حالها، و تتردى أكثر فأكثر لعدم الرعاية المناسبة..
- أفصح، شغلتني؟؟
- أول ما يجلب الانتباه العدد المهول للمراهقين، يعني من 17 سنة إلى 20 أو 21 سنة… مئات من هذه الفئة العمرية.. نعم عرفت هذه الديار سنة 1991 و 1999 و 2007، و بالتالي أقول بصراحة: لم أر هذا العدد الهائل من الشباب مثل ما رأيت هذه المرة.. إنه نذير و لا شك.. إن المجتمع ينزلق نحو الجريمة.. كان من المفروض أن يكون هؤلاء في المعاهد و المدارس و مؤسسات التكوين المهني و غيرها لا في السجون.. لم أكن أتوقع أن أرى مثل هذا العدد..
- هل تعلم ما قضاياهم التي سجنوا من أجلها؟؟
- أنا ليس لي إحصائيات دقيقة و أرقام إلى غير ذلك من الأدوات.. لكن يمكن أن أقول: إن السرقة بمختلف مراتبها من نشل و اختلاس و سرقة مجردة أو موصوفة تمثل الجريمة التي ارتكبها العدد الأوفر من الشباب، ثم تأتي قضايا العنف بمختلف تصنيفاته، ثم بقية المخالفات أو الجرائم من سكر و تشويش و اعتداء على الأخلاق الحميدة و عقوق إلى غير ذلك…
- هل يعني هذا أن السجن لا يزال يشكو اكتظاظا؟؟
- نعم، بل اكتظاظ مهول..يكفي أن أصف لك الغرفة التي أقمت فيها، و هي تعتبر لدى الإدارة غرفة مثالية..
- ماذا تعني غرفة مثالية؟؟
- أي الغرفة التي يزورها الضيوف الذين يريدون الاطلاع على وضعية السجناء و السجن عموما، سواء من الإدارة أو غيرها.
تفضل حدثنا عن هذه الغرفة المثالية؟
هذه الغرفة يوجد بها 12 سريرا مزدوجا، أي 24 سرير فردي، أما عدد النزلاء في هذه الغرفة لم ينزل تحت عدد 45 سجينا، و قد تبلغ في فترات 55 و أكثر من ذلك.. و كالعادة يقتسم كل سجينين سرير فردي و البقية تنام في الكدس.. و المقيمون فيها هم المساجين الذين يعملون داخل السجن من حلاقين و طباخين …
- من كنت تقتسم معه الفراش؟؟
- بصراحة كنت الوحيد في الغرفة الذي يتمتع بسرير فردي..
- و الأكلة؟؟
- الحمدلله الذي أغناني عنها..
- يعني؟؟
- كانت عائلتي تجلب لي قفة كل يومين، و بالتالي كنت أنظم وجباتي الغذائية حسب المتوفر لدي و إن نفد أكتفي بالزيت و بعض ما أقتنيه من مغازة السجن..
- فطور الصباح اعتبروه إنجازا تاريخيا، هل مازال العمل ساريا به؟ ممّ يتركب؟؟
- لا شك أن هذا حق تأخروا كثيرا عن العمل به.. و يمكن مع ذلك القول ” خير من بلاش”
مم يتركب؟
- بعض الأحيان يتمثل في بيضة، و حينا آخر في قطعة كايك أو قهوة..
- قهوة؟؟
- اعتبرها “قهوة”…
- و الحليب؟؟
- إن فقده المواطن من المساحات الكبرى، هل تراه موجودا في السجون؟؟؟
- لا شك أنك تمتعت هذه المرة بالتلفزة على عكس مدة سجنك الأولى سنة 1991؟؟
- التلفزة أولا مقتصرة على “تونس7″ و في أحسن الحالات على “ضرتها” تونس 21.. و القناة الأولى الإيطالية التي يتابعها المساجين خصوصا في برامجها أو أفلامها الساخنة… و كنت أحاول المحافظة على صحتي التفسية و العقلية فكنت اكتفي بالقليل من الأخبار ثم أفر منها فرار المجذوم من الأسد لأصنع عالمي الخاص: مراجعة قرآن،قراءة صفحات الوفيات بالجريدة و أشياء تجلب الانتباه..
- على ذكر الجرائد؟؟
-الجرائد توزع حينا و تحجز حينا آخر…
- و الكتب؟؟
- نفس السياسة منذ 1991، يعني لا كتب تجلبها العائلات، بل عليك بكتب المكتبة إن كنت تريد المطالعة..
- هل لاحظت كتبا جديدة في المكتبة بين 1999 و 2007؟؟
- في الواقع لم ألاحظ شيئا جديدا ذا أهمية..نفس الكتب تقريبا..
- و المصاحف؟؟
- الحمدلله كان معي مصحفي يوم إيقافي، أما عامة المساجين فلا يسمح لهم بذلك بدعوى أن المصاحف موجودة في المكتبة…
- و كيف كنت تؤدي صلاتك؟
- صلاة الجمعة ممنوعة كما كان الأمر منذ عشرين سنة تقريبا، أما صلاة الجماعة فيمنع أن يؤديها أكثر من اثنين معا…
- إذا كانت العائلة تزورك أسبوعيا؟؟
- نعم، و قد شهدت قاعة الزيارة تحديثا، لكن التحديث قد يكون نحو السلب و التخلف..
كيف؟؟
عوض الحاجز الحديدي أصبح هناك حاجز من البلور و نتبادل الحديث مع الزائرين عبر آلتين مثل الهاتف و تكون الآلة الثالثة لدى العون الذي يراقب الزيارة، يستمع للحديث و يسجل في كراس خاص ما يقدر أهميته أو خطره أو غموضه لا أدري..
- و هل هذا تطور إيجابي أم سلبي؟؟
- يا أخي: كنت قبل البلور و الهاتف، أكلم كافة أفراد العائلة- أي الذين يأتون لزيارتي- فيسمعوني جميعا مثلا عندما أحدثهم عن صحني أو مشاغلي أو عندما أطلب منهم طلبا يتعلق بالأكلة أو الملابس.. الآن أصبحت مضطرا أن أسأل كل واحدة من زواري نفس الأسئلة لأن هناك جهاز هاتفي واحد لدى الزوار بقطع النظر عن عددهم..
- هل كانت لك فرصة التحادث مع أخيك لطفي الداسي في السجن هذه المرة؟؟
- من المؤسف أن تبقى نفس التراتيب معمولا بها إلى الآن… الحديث مع لطفي يعتبر كبيرة الكبائر.. نعم هو يقيم في غرفة أخرى بنفس السجن لكني لا أستطيع محادثته ، بل لا استطيع مجرد رؤيته من بعيد… يبذل الأعوان ما يستطيعون من جهد للحيلولة دون مجرد رؤيته و لو على بعد عشرات الأمتار… و ببدو أنهم وضعونا معا في نفس الجزء من السجن (وليس في نفس الغرفة) لا لشيء إلا لكون القسم الآخر من السجن يوجد به بعض المحالين بموجب “قانون مكافحة الإرهاب”..
و عن يومه الأول بعد السجن قال:
فقدت يوم خروجي من السجن أحد أقرب أصدقائي، و كنت تعودت منذ زمن، كما تعود بذلك الأهالي، أن أدعو للميت في المقبرة.. يوم الأربعاء كان يوم دفن صديقي، فحضرت الجنازة دعوت له كما كنت أفعل منذ أمد بعيد… بعد يومين تستدعيني “الشرطة” و تطلب مني الامتناع عن الدعاء للموتى مستقبلا… نعم عدم الدعاء للموتى… فهل تراهم يمنعوني من الدعاء على الأحياء؟؟
- ختاما ألا أقول لك ذنب مغفور…
- غفر الله لنا جميعا تقصيرنا نحو إخواننا….

جرجيس في: 14 أفريل 2008
عبدالله الزواري

متحف حقوق الإنسان

Room with a view

My hostess

Museum of Human Rights

Museum of Human Rights

Museum of Human Rights

Museum of Human Rights

Museum of Human Rights

Museum of Human Rights

Museum of Human Rights

Museum of Human Rights

More Photos

 

مايو 2008
الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
« أبريل    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031